محمد مهر الدين

رائد الحداثة في الفن العراقي

صلاح عباس

يبدو، لمتابع الاتجاهات الجديدة في الفن التشكيلي العراقي المعاصر، ان قيمة الفن الذي اشتغل عليه الفنان محمد مهر الدين وعلى مدى فترة زمنية طويلة، تنوف على النصف قرن، لم تأخذ بعد كفايتها من النقد الفني، ولم تدرس كما ينبغي، بالرغم من كثرة المحاولات الجادة، المقدمة من لدن خيرة كتابنا، ولاسيما عادل كامل، وعبد الرحمن طهمازي، وحسن عبد الحميد وسواهم من كتابنا المرموقين. ان اغلب النقود الفنية التي كرست لدراسة هذا الفنان كانت تنظر لقيمة الموضوع الذي يطرق ابوابه الفنان محمد مهر الدين والذي يمثل موضوعا ثريا وخصبا ويسمح بالمناورة الكلامية المستفيضة، والتي تخرج عن حدود الذاتي في الفهم والتفكير لتكمن في الموضوعي الذي يؤطر الحياة العامة بشموليتها. لان محمد مهر الدين، اخذ على عاتقه المسؤولية الانسانية الكبيرة، وصار ينبه الى قيمة الموضوعات المثيرة والتي تتحكم بمصائر الناس، وحياتهم المهددة على هذه الارض.

لقد قدم الفنان، وعلى مدى تاريخه الابداعي، نوعا من الفن الذي اطلق عليه "بالفن الملتزم" حيث يتناول القضايا المهمة، التي تفاعل حياة البشر وتؤثر فيهم، مثل قضايا التحرر الوطني، ونصرة الشعوب المستضعفة، والكشف عن سوءات السياسة الدولية، المؤدية حتما الى الفقر والجوع وزرع الافكار الخادشة للأنسانية، وللضمير الجمعي. هكذا هو محمد مهر الدين، يصرخ بملئ فمه ليعبر عن الموضوعات الحامية التي تمثل ذروة في التفكير المندمج مع البيئة البشرية، فهل يمكن اعتبار ذلك تماشيا مع الناس في مشكلاتهم الحاسمة؟ وهل تنكر الفنان لذاتيته؟.

-ان الفن وعلى مدى تاريخه العام، ومنذ فن عصر الكهوف ولحد الآن، ما هو الا دوال على تمجيد الحياة، والفنان دائما، يحاول المزاوجة بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي، فكما قال "جان جينه" وهو يحاور "جياكوميتي" عن النحت:

(وكأن الفنان هو لسان حال الامة، لانه هو الذي ابتكر صور الآله، والاشياء المقدسة في الحياة، وهو الذي يصرخ بالملأ: اعبد ايها الملأ الى ما قد صنعت يداي..) اننا هنا: لانبتغي سوى حل معضلة فنية، تمس نزوع هذا الفنان باتجاهات متعلقة بين الخاص والعام، بين الموضوعي والذاتي، فهل سنستطيع الامساك بالمشرط للفصل بين هذين العنصرين، في عملية جراحية بسيطة؟.

-اقول نعم، يمكن ذلك على وفق اسلوبين، الاسلوب الاول متعلق بآلية انتاج الفن، والكيفية التي يستطيع بها الفنان تحرير الوانه وخطوطه وما يملك من مقدرة فريدة على الابتكار وصناعة الاشكال. والاسلوب الثاني متعلق بالموقف الذاتي للفنان والذي اكتسبه من خلال تمسكه بالافكار الماركسية والتي تنظر الى قيمة الموضوع بطرائق مؤثرة، لان النظرة الاصلاحية في الفكر الماركسي، تفضي الى الجدل التاريخي، والى جوهر الصلة التي تمجد قيمة الانسان باعتباره صانعا للتأريخ، فلا وجود لشيء الا لوجود هذا الشيء مع اشياء اخرى تكمل كيانه وتفاعله على نحو يمكن حسابه وبالدقة المتناهية.

 ان الماركسية، ملكت روادها قوة الفهم للموضوعي، من خلال الديالكتيك، وفهم الجدل التاريخي، وبهذا اكسبتهم مفاتيح سحرية يمكنهم بها فتح كل المغاليق في الفكر والفلسفة وعلوم الحياة المختلفة.

 لقد ابتدأ الفنان محمد مهر الدين، خطواته الاولى في الرسم الواقعي، وقد تسنت لي فرصة الاطلاع على تلك الاعمال المبكرة التي تمثل موضوعات عراقية متنوعة من الريف، او من اطراف المدن، ولكن السمة في هذه اللوحات، انها مرسومة وفق قواعد الضبط الدراسي، في احتساب قيمة الالوان، ومدى مطابقتها للشكل المرئي بوصفها مثالا منظورا، والتخطيط المتقن الذي يحاكي قيمة الشكل، والتفاصيل الداخلية فيه على نحو، حقق فيه الفنان مستوى رفيع في المطابقة الحرفية، والتي ترتكز على النظرة السليمة للاشياء كما هي، ثم احتساب قيمة الضوء الساقط وانكسارات الظلال بشكل حقق ايهاما بصريا قل نظيره، فالبداية كانت مسوغة بخبرات هائلة في مجال فن المحاكاة ورسم اللوحات التشبيهية المتطابقة مع الاصل.

ان هذه الاشارة، تفضي الى حقيقة مفادها: ان الخبرة الكبيرة في مجال التلوين للفنان محمد مهر الدين، كانت مؤسسة بشكل متين لايقبل الشك منذ اكثر من خمسة عقود من السنوات. فاذا، حاولنا الدمج بين المنطلقات الفنية والفكرية للفنان فاننا سنجد ان المحصلة ستكون منطقية جدا في اعتبار هذا الفنان احد اهم رسامي الحداثة في العراق، ولننظر الآن الى المخطط البسيط الاتي:

 

فنان متمرد

ان أي فنان في العالم، وبخاصة الفنانين المحدثين والمجددين، يتسمون بصفة التمرد، وهذا رأي شائع لمشاهير الكتاب والباحثين في علم النفس والتربية والاجتماع والجماليات والفنون وسواها من الاتجاهات الانسانية في الثقافية والادب والفن.

 والحديث عن مهر الدين هو ذاته الحديث عن بعض الرموز العراقية كجواد سليم، شاكر حسن، خالد الجادر محمود صبري إسماعيل فتاح ، بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، سعدي يوسف، فؤاد التكرلي، غائب طعمة فرمان، وآخرين.

* فكيف لنا الاستدلال على تمردهم؟

-ان نظرة فاحصة للواقع العراقي في تلك الفترة والمحصورة بين العقدين الرابع والخامس من القرن المنصرم، كفيلة باعطاء هذا السؤال اجابة عامة، ولكن الاجابة الخاصة تأتينا من كون الفنان محمد مهر الدين، من سكنة مدينة البصرة التي تبعد مسافة تزيد عن خمسمائة كيلو متر عن العاصمة، وان الفنان حين قدم الى بغداد فلابد ان يكون رأسه محملا باشياء تتعلق باثبات الذات من خلال التحدي بالفن، وهذا التحدي لايكون مؤهلاً، الا اذا كان صاحبه متمردا، فالفن في تلك المرحلة من تاريخ العراق، كان يمثل شيئا آخر، لا صلة له بمشكلات الحياة اليومية، وليس لنا به تراث فخم، ولكن النظرة الماركسية للفنان اعطته حق التحدي وتفهم الفنون والولوج من اوسع بوابات الحداثة، لان الثقافة العامة، في العالم، في تلك الفترة كان يتنازعها قطبان، الشيوعية في اوج تألقها، والامبريالية في عظمتها. لقد كان رواد الثقافة والفنون والادب الجديد في العالم معظمهم من الماركسيين او الشيوعيين، فلا غرابة ان نجد محمد مهر الدين، هذا الشاب المتوثب، المندفع بقوة حماسه وطموحه المشفوع بمنطلقاته الفكرية، وموهبته الفنية المتميزة، لكي يشارك في الابداع من موقعه. فالفنان وقبل ان يلتحق للدراسة الفنية في احدى مدارس بولونيا كان اسما معروفا في الوسط الفني العراقي وقد اشار اليه الفنان نوري الراوي في كتابه الموسوم "الفن العراقي الحديث" المطبوع سنة 1962، وكان يعده من الفنانين المهمين في العراق واعتقد ان السبب وراء اختياره الدراسة في بولونيا هو الاثر الرائع الذي تركه الفنانون البولنديون الذين التجأوا الى بغداد بعد الحرب العالمية الثانية وبقوا فيها لتدريس الفن في معهد الفنون الجميلة ببغداد.

يعتبر البعض ممن درس تاريخ الفن التشكيلي العراقي المعاصر وبخاصة الناقد شوكت الربيعي، في كتابه "لوحات وافكار" ان لهؤلاء الفنانين دوراً كبيراً على مسار هذه الحركة وانهم اول من فتح ذهنية جواد سليم في الاخذ بأهمية الموروث المحلي وتأسيس منهج فني خاص. لقد كانت الفنون الحديثة في تلك الفترة تمثل الذروة في تطورها، حيث الموض وحالة الابتكار والتجديد، فلم يشهد عصر في التاريخ البشري مثل ذلك العصر الذي يمثل نقطة تحول كبرى في التاريخ الحديث.

 ان الفنان محمد مهر الدين، شهد ولادة هذه الفنون الجديدة وسمحت له الظروف للتعرف على الكثير من الفنانين العالميين والمشاركة معهم في المعارض الدولية، كما اطلع عن قرب على آخر التوصلات الفنية والتقنية في مجالات استثمار المواد الخام وتطويعها لصالح العمل الفني، فدراسة الفنان، كانت تتضمن التصاميم والرسم والطباعة اليدوية "الكرافيك" ولهذا وجدناه على الدوام متمسكاً في انجاز لوحات بالقيم الفنية والجمالية في فن التصميم فكان هذا الفن يعد فن العصر واحد اهم عناصر اللوحة لدى الفنان. فالتصميم لابد ان يتألف على شكل، والشكل لابد ان يكون جديدا ومغايرا، ولان هذا الفن طرق ابواب الحياة كلها فدخل بدون إستئذان الى الاقمشة والموبليا والعمارة وتصميم المدن والسيارات والاجهزة المنزلية والصناعات الجديدة وحتى شمل شكل النص الادبي وربما دخل الى السلوك الانساني ذاته فصار مثل عالم واسع منفتح الآفاق. اما فنون الطباعة اليدوية (الكرافيك) فانها دربت ملكاته الادائية على تفهم الالوان الصعبة الرصينة كما مهدت له لوضع مقاربة بين اللوحة وبين العمل الكرافيكي، ويخطأ من يعتقد بان الفنان رافع الناصري هو رائد فن الكرافيك في العراق، ذلك ان الكثير من التجارب المتنوعة التي مارسها الكثير من الفنانين العراقيين ومنذ فترات مبكرة جدا سبقت تجارب رافع الناصري ومنهم: اسماعيل الشيخلي ومحمود صبري، وجواد سليم، وشاكر حسن ومحمد علي شاكر، ومحمد مهر الدين وآخرون سواهم، لكن والحق يقال ان فضيلة رافع الناصري تكون في تأسيسه لفرع الكرافيك في معهد الفنون الجميلة ببغداد سنة 1974 بمعيارية الفن والريادة الابداعية، فأننا نضع تجارب محمد مهر الدين في الصدارة، لما تتسم به من مقومات فنية اصيلة يشهد عليها الخبراء في هذا المجال.

 بعد عودة الفنان محمد مهر الدين من بولونيا وجد ان جمهورية الشعب العراقي تقوضت وانهارت اركانها وان الشعب واقع تحت مطرقة الحرس القومي والاشياء كلها تغيرت وتخرب الحلم الجميل اذ ذاك كان يرسم بحرية شديدة ولكن برمزية عالية فاختار الارقام وبعض الحروف وبعض الجمل المكتوبة باللغة الانجليزية للتعبير عن رفضه وكراهيته لكل اعداء التقدم والانسانية لقد رسم الفنان الكثير من اللوحات التي تتماس مع حياة المجتمع العراقي سواء اكان بشكل مباشر ام ملمح به وانجز ذلك بعدة انتقالات اسلوبية فالاسلوب الذي عرف في فترة الستينات كان باستخدامه للعجائن الكثيفة واللواصق وعمل المجسمات بمواد الخشب وسواها من المواد الاخرى التي يمكن توظيفها لصالح اللوحة اما الاسلوب الثاني فيبدأ معه منذ بداية الثمانينات ايام سيطرة صدام حسين على الحكم في العراق. لقد تنبأ الفنان مهر الدين بالمستقبل المأساوي للعراقيين وتفهم نوايا هذا الرجل فرسمه بحالات مختلفة وضمنه في موضوعات متعددة ولكن ليس بالرسم المباشر وانما بطريقة التمويه وعرضه بشكل خطوط خارجية مكتفيا بحركة معينة تعطي الايماء او الانطباع عما يريده الفنان وكنا في حينها ندرك موضوعاته ونتهامس بها فيما بيننا. ان محمد مهر الدين يمثل ارثا وطنيا كبيرا وثروة لاتقدر بثمن لانه فنان مس الموضوعات الخطرة وافصح عن رأيه بكل جرأة وشجاعة واستطاع النطق بما لم يستطع احد غيره آخذا بنظر الاعتبار قيمة البحث عن جديد جيد يدخل في باب الحداثة وانجز للفن العراقي المعاصر اروع نفائسه الثمينة. وعلى مر السنوات الاخيرة انشغل الفنان بدراسة الافكار التي جاءت بها العولمة وايدتها السياسة الدولية الجديدة التي تريد اضاعة خصوصية الشعوب الفقيرة والتي لاتضع تقديرا سليما للانسان وحقه بالعيش بحرية وكرامة لانها أي العولمة تمثل مجتمع الخمس أي ان الحياة الكريمة تكون حكرا على 20% من المجتمع البشري في حين ان نسبة 80% تمثل لهذه الشريحة بحسب اعتقاد الفنان محمد مهر الدين.

وبمجرد تتبع بسيط لخط سير هذا المبدع العراقي الكبير نجد ان المؤسسة القائمة على الثقافة في العراق منذ عودته من بولونيا وحتى آخر يوم من حكم الطاغية حاولت تهميش دوره وصرف الانظار عنه ولكنها لم تستطع ابدا لان لسان حال الفنان فنه الراقي المرتكز على الفهم المعمق للمعنى يبدو لي: ان قناعات الفنان راسخة جدا ولا يستطيع احد كائن من يكون ان يمسها فالفنان خليق بمبادئه حريص على افكاره استطاع ان يجسد المعاناة الانسانية بأبهى الاشكال واجمل واحلى الالوان.

ففي الكثير من الاحايين تتجذر الرموز الابداعية مثل مجوهرات في تواريخ الشعوب واذا كنا نبحث عن ذاتية الفنان فانها ولا ريب مثل ذاتية جواد سليم متماهية مع ذاتية الشعب داخلة في ضمير الثقافة باقية متجددة ما بقيت النيران.

 

 

 Back